الغزالي

116

إحياء علوم الدين

لم تخف عليه عيوبه . فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج . ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم ، يرى أحدهم القذى في عين أخيه . ولا يرى الجذع في عين نفسه . فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق الأول : أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس ، مطلع على خفايا الآفات ، ويحكمه في نفسه ، ويتبع إشارته في مجاهدته . وهذا شأن المريد مع شيخه ، والتلميذ مع أستاذه فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه . وهذا قد عز في هذا الزمان وجوده الثاني : أن يطلب صديقا صدوقا ، بصيرا متدينا ، فينصبه رقيبا على نفسه ، ليلاحظ أحواله وأفعاله . فما كره من أخلاقه وأفعاله ، وعيوبه الباطنة والظاهرة ، ينبهه عليه . فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين . كان عمر رضي الله عنه يقول ، رحم الله امرأ أهدى إلى عيوبي . وكان يسأل سلمان عن عيوبه . فلما قدم عليه ، قال له ما الذي بلغك عنى مما تكرهه ؟ فاستعفى . فألح عليه ، فقال بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة ، وإن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل . قال وهل بلغك غير هذا ؟ قال لا . فقال أما هذان فقد كفيتهما . وكان يسأل حذيفة ويقول له ، أنت صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين ، فهل ترى عليّ شيئا من آثار النفاق ؟ فهو على جلالة قدره ، وعلو منصبه ، هكذا كانت تهمته لنفسه رضي الله عنه . فكل من كان أوفر عقلا ، وأعلى منصبا ، كان أقل إعجابا ، وأعظم اتهاما لنفسه إلا أن هذا أيضا قد عز ، فقل في الأصدقاء من يترك المداهنة ، فيخبر بالعيب ، أو يترك الحسد ، فلا يزيد على قدر الواجب . فلا تخلو في أصدقائك عن حسود ، أو صاحب غرض يرى ما ليس بعيب عيبا . أو عن مداهن ، يخفى عنك بعض عيوبك . ولهذا كان داود الطائي قد اعتزل الناس ، فقيل له لم لا تخالط الناس ؟ فقال وما ذا أصنع بأقوام يخفون عنى عيوبي . فكانت شهوة ذوي الدين أن يتنبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم . وقد آل الأمر في أمثالنا إلى أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا . ويكاد هذا أن يكون مفصحا عن ضعف الإيمان . فإن الأخلاق السيئة حيات وعقارب لداغة . فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا منه منة ، وفرحنا به ، واشتغلنا بإزالة العقرب ، وإبعادها وقتلها . وإنما